|
حديث
الغدير
الشيخ صالح الكرباسي
يُعتبر حديث الغدير من الأحاديث التاريخية الهامة و
المصيرية التي أدلى بها رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) في السنة الأخيرة
من حياته المباركة ، و هي من الأحاديث التي تثبت إمامة الإمام امير المؤمنين
علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) و توجب ولايته على جميع المؤمنين بعد ولاية
الله تعالى و ولاية رسوله المصطفى ( صلَّى الله عليه و آله ) بكل صراحة و وضوح
.
تواتر حديث الغدير :
ثم إن حديث الغدير حديث متواتر [1] رواه المحدثون عن أصحاب النبي ( صلَّى الله
عليه و آله ) و عن التابعين بصيغٍ مختلفة ، تؤكد جميعها على إمامة الإمام أمير
المؤمنين ( عليه السَّلام ) ، لكون الجوهر الأصلي فيه واحد و إن اختلفت بعض
العبارات .
سبب تسميته :
أما نسبة الحديث إلى الغدير فيعود سببه إلى أن النبي أدلى بهذا الحديث على أرض
غدير خم [2] في اجتماع حاشد يضم ما يربو على مائة ألف من المسلمين و ذلك بعد
رجوعه من أداء مناسك الحج في آخر سنة من حياته المباركة .
هذا و قد صرّح الكثير من المفسرين بأن نزول آية التبليغ كان في يوم الغدير لدى
رجوع النبي ( صلى الله عليه وآله ) من حجة الوداع في مكان يسمى بـ " غدير
خم " ، و في ما يلي نشير إلى بعض من صرّح بذلك :
1. أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي ، المتوفى سنة 127 هجرية ، عن
ابن عباس ، قال : نزلت الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا
أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ... ﴾ [3] في علي حيث أمر الله سبحانه
أن يخبر الناس بولايته ، فتخوّف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يقولوا
حابى ابن عمه و أن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله تعالى إليه ، فقام بولايته
يوم غدير خم ، و أخذ بيده ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : "
من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم والِ من والاه و عادِ من عاداه "
روح المعاني : 4 / 282 ، طبعة : دار الفكر / بيروت .
2. أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ، المتوفى سنة : 468 هجرية ، عن
أبي سعيد الخدري ، قال : " نزلت هذه الآية :﴿ يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ... ﴾ [4] يوم
غدير خم ، في علي بن أبي طالب رضي الله عنه " أسباب النزول : 115 ، طبعة
: المكتبة الثقافية / بيروت .
3. عبيد الله بن عبد الله بن أحمد ، المعروف بالحاكم الحسكاني من أعلام القرن
الخامس الهجري : روى بإسناده عن ابن عباس في قوله عَزَّ و جَلَّ : ﴿
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ... ﴾
[5] الآية ، قال : نزلت في علي ، أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن
يبلّغ فيه ، فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيد علي فقال : " من
كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم والِ من والاه و عادِ من عاداه " شواهد
التنزيل : 1 / 190 ، طبعة : منشورات الأعلمي / بيروت .
4. فخر الدين الرازي ، المتوفى سنة : 604 هجرية : ذكر من جملة الوجوه الواردة
في سبب نزول آية : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ... ﴾ [6] أنها نزلت في الإمام أمير المؤمنين (
عليه السلام ) ، و عَدَّه الوجه العاشر من الوجوه المذكورة ، قال : نزلت الآية
في فضل علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، و لمّا نزلت هذه الآية أخذ بيده و
قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم والِ من والاه و عادِ من عاداه
" ، فلقيه عمر فقال : هنيئاً لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت مولاي و مولى كل
مؤمن و مؤمنة .
و هو قول ابن عباس و البراء بن عازب و محمد بن علي ، التفسير الكبير : 12 / 42
، طبعة : دار الكتب العلمية / بيروت .
5. جلال الدين السيوطي ، المتوفى سنة : 911 هجرية : روى بإسناده عن أبي سعيد
الخدري قال : " نزلت هذه الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ... ﴾ [7] على رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب " الدر المنثور : 3
/ 117 ، طبعة محمد أمين / بيروت .
صيغ الحديث و رواته :
و قد تناقلت المصادر الإسلامية السنية و الشيعية على حد سواء حديث الغدير في كتب
التفسير و الحديث و التاريخ و الكلام و غيرها بأكثر من عشر صيغ و في ما يقارب
المائة من الكتب المعتبرة المعتمدة .
أما رواة حديث الغدير الذين تمكّن التاريخ من ضبط أسمائهم فهم : من الأصحاب (
110 ) صحابياً و من التابعين ( 84 ) تابعياً ، و أما رواة هذا الحديث من
العلماء و المحَدِّثين فيبلغ عددهم ( 370 ) راوياً [8] ، كما ألّف علماء
الإسلام كتبا مستقلة في هذا الحديث إذعاناً منهم بأهمية هذا الحديث و صحته و
مصيريّة موضوعه [9] ، و في ما يلي نذكر بعض النماذج التي أوردها علماء السنة
في كتبهم رعاية للاختصار ، و من شاء التفصيل فليراجع مصادر الحديث [10] .
1. احمد بن حنبل : أبو عبد الله احمد بن حنبل بن هلال الشيباني ، المتوفى سنة
: 241 هجرية ، عن البراء بن عازب ، قال : كنا مع رسول الله ( صلَّى الله عليه
و آله ) في سفر فنزلنا بغدير خم ، فنودي فينا الصلاة جامعة ، وكُسح لرسول الله
( صلَّى الله عليه و آله ) تحت شجرتين فصلى الظهر و اخذ بيد علي ( رضي الله
عنه ) فقال : " ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ؟
قالوا : بلى .
قال : " ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه " ؟
قالوا بلى .
فاخذ بيد علي فقال : " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم والِ من والاه و
عادِ من عاداه " .
فلقيه عمر بعد ذلك فقال له : هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت و أمسيت مولى كل
مؤمن و مؤمنة [11] .
2. الخطيب البغدادي : أبو بكر احمد بن علي ، المتوفى سنة : 463 هجرية ، عن أبي
هريرة ، قال : من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا ، و هو
يوم غدير خم لمّا اخذ رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) بيد علي بن أبي
طالب ( عليه السَّلام ) فقال : " ألست أولى بالمؤمنين " ؟
قالوا : بلى يا رسول الله .
قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " .
فقال عمر بن الخطاب : بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كل مسلم
[12] .
3. ابن حجر : احمد بن حجر الهيثمي ، المتوفى سنة : 974 هجرية ، أن النبي (
صلَّى الله عليه و آله ) قال يوم غدير خم : " من كنت مولاه فعلي مولاه ،
اللهم والِ من والاه و عادِ من عاداه ، و احب من احبه ، و ابغض من ابغضه ، و
انصر من نصره ، و اخذل من خذله ، و أدر الحق معه حيث دار " .
و قال ابن حجر حول حديث الغدير : انه حديث صحيح لا مرية فيه ، و قد أخرجه
جماعة كالترمذي و النسائي و احمد ، و طرقه كثيرة جدا ، و من ثم رواه ستة عشر
صحابيا ، و في رواية لأحمد أنه سمعه من النبي ( صلَّى الله عليه و آله )
ثلاثون صحابيا و شهدوا به لعلي لما نُوزع أيام خلافته [13] … و كثيرا من
أسانيدها صحاح و حِسان ، و لا التفات لمن قدح في صحته [14] .
نقاط ذات أهمية عالية :
و مما تقدّم يمكن استخلاص النقاط التالية :
· أن رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) إنما أدلى بهذا الحديث بأمر من الله
تعالى و ذلك بعد نزول آية التبليغ و هي : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ
يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [15]> ، في يوم الغدير تحثّه على
تنصيب الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) خليفةً له و إماماً للناس .
· التدبر في الآية السابقة و لهجتها الصارمة بصورة عامة ، مضافا إلى التدبر في
دلالة ﴿ ... وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ... ﴾ [16] يكشف
لنا عن حساسية القضية و خطورة المسالة المطروحة .
· إن انتخاب " غدير خم " الصحراء القاحلة التي يلفحها الهجير و
تلتهب رمالها بوهج الظهيرة كمكان لإلقاء حديث الغدير ، و انتخاب المقطع الأخير
من حياة الرسول ( صلَّى الله عليه و آله ) كزمان لإلقاء الحديث ، وانتخاب
الاجتماع التاريخي الحاشد الذي يشكله الحجاج العائدون من بيت الله الحرام
كمستمعين لهذا الخطاب التاريخي الهام ، إلى غيرها من الأمور إن عبرت عن شيء
فإنما تعبّر عن أهمية ما أمر الله النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) بإبلاغه ،
و هو تعيين المسار القيادي للامة الإسلامية دينيا و سياسيا .
· عدم إبلاغ النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) الناسَ بولاية أمير المؤمنين (
عليه السَّلام ) يُعدّ مساويا لعدم تبليغ الرسالة الإلهية ، و هذا مما يُبين
أهمية مسالة الإمامة و القيادة و يفهم هذا المعنى من قول الله تعالى : ﴿
... وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ... ﴾ [17] .
· إن المخطط الإلهي للحياة البشرية مخطط حكيم و كامل و لا يمكن أن يهمل مسالة
قيادة الأمة الإسلامية بعد الرسول ( صلَّى الله عليه و آله ) بدون تخطيط أو
يترك الأمة من غير راعٍ و ولي ، و هذا مما يدفع بالأمة إلى الانزلاق نحو هاوية
الفتن والصراعات والتناقضات ، و يكون سبباً لإهدار أتعاب الرسالة ، و هو ما لا
يقبله العقل السليم و لا يصدقه الشرع طبعاً .
· إن نزول آية الإكمال و هي : ﴿ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ
دِينًا ... ﴾ [18] في يوم الغدير بعد إبلاغ النبي ( صلَّى الله عليه و
آله ) الناسَ بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) لدليل
واضح على أن اكتمال أهداف الرسالة و ضمان عدم وقوع انحرافٍ أو فراغٍ تشريعي أو
قيادي أو سياسي بعد الرسول ( صلَّى الله عليه و آله ) ، إنما يتحقق في حالة
استمرارية القيادة المنصوبة و المنصوص عليها من قبل الله .
· و في ضوء ما تقدمت الإشارة إليه من النقاط يمكن أن نفهم عمق العلاقة بين
النصوص القرآنية [19] و الحدث التاريخي الكبير في يوم الغدير الذي تمّ من
خلاله تعيين الخليفة و الإمام من قبل رب العالمين ، و بواسطة رسوله الأمين (
صلَّى الله عليه و آله ) [20] .
· و أخيرا : الحديث يحمل دلالة واضحة و صريحة على إمامة أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب ( عليه السَّلام ) باعتباره المرشح الوحيد لتسلّم زمام الأمة بعد
النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) ، و كونه الولي الشرعي المنصوب من قبل رب
العالمين بواسطة سيد الأنبياء و المرسلين ( صلَّى الله عليه و آله ) .
و هو الأمر الذي اعتبره الله عَزَّ و جَلَّ تكميلاً للرسالة و تتميماً للنعمة
إذ قال : ﴿ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ... ﴾ [21]
.
· للوقوف على تفاصيل حديث الغدير و ما يتعلق به و دراسته بصورة دقيقة وشاملة
يمكن مراجعة الكتب التالية :
1. الغدير في الكتاب و السنة و الأدب ، للعلامة الشيخ عبد الحسين الأميني (
قدَّس الله نفسه الزَّكية ) .
2. المراجعات ، للعلامة السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي ( قدَّس الله نفسه
الزَّكية ) .
--------------------------------------------------------------------------------
[1] صرّح بتواتر حديث الغدير جماعة من علماء السنة ، كما اعترف جماعة بصحته ،
نذكر منهم :
1. الغزّالي : أبو حامد محمد بن محمد ، المتوفى سنة : 505 هجرية في كتابه : سر
العالمين : 13، طبعة : مكتبة الجندي / مصر .
2. شمس الدين الشافعي : أبو الخير شمس الدين بن محمد بن محمد بن الجزري ،
المتوفى سنة : 833 هجرية في كتابه : أسنى المطالب : 47 ، طبعة : طهران / إيران
.
3. القسطلاني : في كتابه : شرح المواهب اللدنية : 7 / 13 ، طبعة : المطبعة
الأزهرية / القاهرة .
4. المنصور بالله : الحسين بن امير المؤمنين المنصور بالله ، القاسم بن محمد ،
المتوفى سنة : 1050 هجرية في كتابه : هداية العقول إلى غاية السؤول في علم
الأصول : 2/ 45 ، طبعة : صنعاء / اليمن .
[2] غدير خم : موضع بين مكة المكرمة و المدينة المنورة على مقربة من الجحفة
التي هي من المواقيت التي يُحرِم منها الحجاج للحج أو العمرة .
[3] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 67 ، الصفحة : 119 .
[4] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 67 ، الصفحة : 119 .
[5] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 67 ، الصفحة : 119 .
[6] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 67 ، الصفحة : 119 .
[7] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 67 ، الصفحة : 119 .
[8] لمعرفة أسماء رواة حديث الغدير يراجع : الغدير في الكتاب و السنة و الأدب
، لمؤلفه القدير العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني ( قدَّس الله نفسه الزَّكية
) ، المتوفى سنة : 1390 هجرية .
[9] لمعرفة أسماء المؤلفين في حديث الغدير يراجع : الغدير في الكتاب و السنة
والأدب : 1/ 152- 157 .
[10] المصادر التي ذكرت حديث الغدير كثيرة جداً لا مجال لذكرها ، لكننا هنا
نُشير إلى بعضها كما يلي :
1. مسند احمد بن حنبل : 4 / 368 ، طبعة : دار صادر / بيروت .
2. خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 98 ، طبعة بيروت .
3. السيرة الحلبية : 3 / 274 ، طبعة : دار إحياء التراث العربي / بيروت .
4. كنز العمال : 5/ 290 ، طبعة : منشورات التراث الإسلامي / حلب .
[11] مسند احمد بن حنبل : 4/ 281 ، طبعة : دار صادر / بيروت .
[12] تاريخ بغداد : 8/ 290 ، طبعة : دار الكتب العلمية / بيروت .
[13] تجدر الإشارة هنا إلى أن الإمام امير المؤمنين ( عليه السلام ) عندما
نُوزِعَ في الخلافة جَمَعَ الناس في "الرحبة " و استشهدهم قائلا :
انشد الله كل امرئ إلا قام و شهد بما سمع ـ أي بما سمع من رسول الله يوم
الغدير ـ و لا يقم إلا من رآه بعينه و سمعه بأذنيه ، فقام ثلاثون صحابيا فيهم
اثنا عشر بدريا ، فشهدوا … يقول العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين ( قدَّس
الله نفسه الزَّكية ) : و لا يخفى أن يوم الرحبة إنما كان في خلافة امير
المؤمنين ، و قد بويع سنة خمس و ثلاثين ، و يوم الغدير إنما كان في حجة الوداع
سنة عشر ، فبين اليومين ـ في أقل الصور ـ خمس و عشرين سنة ، كان في خلالها
طاعون عمواس ، و حروب الفتوحات و الغزوات على عهد الخلفاء الثلاثة ، و هذه
المدة ـ و هي ربع قرن ـ بمجرد طولها و بحروبها و غاراتها ، و بطاعون عمواسها
الجارف ، قد أفنت جُل من شهد يوم الغدير من شيوخ الصحابة و كهولهم ، و من
فتيانهم المتسرعين ـ في الجهاد ـ إلى لقاء الله عَزَّ و جَلَّ و رسوله ( صلى
الله عليه وآله ) حتى لم يبق منهم حيّا بالنسبة إلى من مات إلا القليل و
الأحياء كانوا منتشرون في الأرض … المراجعات : 172 ، طبعة : دار المرتضى .
[14] الصواعق المحرقة في الرّد على أهل البدع و الزندقة : 64 ، طبعة : القاهرة
.
[15] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 67 ، الصفحة : 119 .
[16] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 67 ، الصفحة : 119 .
[17] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 67 ، الصفحة : 119 .
[18] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 3 ، الصفحة : 107 .
[19] المراد من النصوص القرآنية الآيات التالية :
1. آية التبليغ و هي : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
}( سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 67 ) .
2. آية الإكمال و هي : { ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ... }
( سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 3 ) .
3. الآيات الأوائل من سورة المعارج ، و هي :{ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ
وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ
} (سورة المعارج ( 70 ) ، الآيات : 1 ـ 3 ) ، و لقد صرّح غير واحدٍ من
المفسرين و المحدثين بنزول العذاب على جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة
العبدري ـ أو غيره على خلاف ـ و هلاكه ، و القصة يرويها الحافظ أبو عبد الله
الهروي كالتالي : لمّا بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غدير خم ما بلغ ،
و شاع ذلك في البلاد ، أتى جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري ، فقال :
يا محمد أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله ، و أنك رسول الله ، و
بالصلاة و الصوم و الحج و الزكاة فقبلنا منك ، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع
ابن عمّك ففضلته علينا ، و قلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فهذا شيء منك أم
من الله ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " و الذي لا إله إلا
هو إن هذا من الله " فولى جابر يريد راحلته و هو يقول : اللهم إن كان ما
يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارةً من السماء ، أو أتنا بعذاب أليم ، فما وصل
إليها ـ أي إلى الراحلة ـ حتى رماه الله بحجرٍ فسقط على هامته و خرج من دبره و
قتله ، و أنزل الله تعالى:{ سأل سائل بعذاب واقع … } الآية ، الغدير في الكتاب
و السنة والأدب : 1 / 239 ، للعلامة الشيخ عبد الحسين الأميني ( قدَّس الله
نفسه الزَّكية ) ، و قد ذكر المؤلف مجموعة من المصادر التي ذكرت أن الآية نزلت
بهذه المناسبة
[20] صرّح الكثير من المفسرين و المؤرخين بنزول هذه الآية في الإمام علي (
عليه السلام ) في يوم الغدير و في ما يلي نشير إلى بعض من صرّح منهم بذلك ،
على سبيل المثال لا الحصر :
1. أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي ، المتوفى سنة 127 هجرية ، عن
أبي سعيد الخدري قال : إن هذه الآية : { ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ
دِينًا ... } نزلت بعد أن قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( كرّم
الله وجهه ) في غدير خم : " من كنت مولاه فعلي مولاه " فلما نزلت ،
قال : " الله أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضاء الرب برسالتي و
ولاية علي ( كرّم الله وجهه ) بعدي " ، روح المعاني : 4 / 91 ، طبعة دار
الفكر بيروت .
2. أبو المؤيد ، الموفق بن أحمد بن محمد المكي الخوارزمي ، المتوفى سنة : 568
هجرية ، روى بإسناده ، عن أبي سعيد الخدري قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) لما دعا الناس إلى علي ( عليه السلام ) في غدير خم و أمر بما تحت
الشجرة من الشوك فقُمّ ، و ذلك يوم الخميس ، فدعا علياً فأخذ بضبعيه فرفعهما
حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم لم يتفرقوا
حتى نزلت هذه الآية : { ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ... }
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " الله أكبر على إكمال الدين و
إتمام النعمة و رضى الرب برسالتي و الولاية لعلي من بعدي " مناقب علي بن
أبي طالب : 135 ، طبعة : قم / إيران .
3. أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي المعروف بابن عساكر ، المتوفى
سنة : 571 ، روى بإسناده عن أبي هريرة قال : من صام ثمانية عشر من ذي الحجة
كتب له صيام ستين شهراً ، و هو يوم غدير خم لما أخذ النبي ( صلى الله عليه
وآله ) بيد علي فقال : " ألست ولي المؤمنين " ؟ قالوا : بلى يا رسول
الله ، قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ، فقال عمر بن الخطاب :
بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كل مسلم ، فأنزل الله : { ...
اليوم أكملت لكم دينكم … } ، تاريخ ابن عساكر : ترجمة الامام علي ( عليه
السلام ) : 2 / 78 ، طبعة : دار الفكر / بيروت .
4. ابن الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ، المتوفى سنة : 774 هجرية ،
قال في تفسيره : إن الآية : {... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ... }
نزلت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في مسيره إلى حجة الوداع ، تفسير
القرآن العظيم : 2 / 15 ، طبعة : دار المعرفة / بيروت .
5. جلال الدين بن عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة : 911 هجرية ،
روى في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال : لمّا نصب رسول الله ( صلى الله عليه
وآله علياً يوم غدير خم ، فنادى له بالولاية ، هبط جبريل عليه بهذه الآية : {
اليوم أكملت لكم دينكم } ، الدر المنثور : 3 / 19 ، و روى أيضا عن أبي سعيد
الخدري في كتابه الإتقان قال : إن الآية : { ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ
دِينًا ... } نزلت يوم غدير خم ، الإتقان في علوم القرآن : 1 / 54 ، طبعة دار
إحياء العلوم / بيروت . إلى غير ذلك ممن صرّح بذلك و لا مجال هنا لذكرهم
[21] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 3 ، الصفحة : 107 .
|